سياسة
العراق يعمق التعاون القضائي الدولي في ملاحقة الإرهابيين وتوثيق جرائم داعش وتعزيز الشراكات
كشف رئيس المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، القاضي علي حسين جفات، عن دور محوري للمركز في توثيق جرائم تنظيم داعش الإرهابي ودعم ملاحقة المطلوبين وتعزيز التعاون مع دول العالم. وأوضح القاضي جفات أن المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي يعد أحد تشكيلات مجلس القضاء الأعلى، ويعمل بصفته الجهة المركزية المسؤولة عن تنسيق التعاون القضائي في ملفات مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والقضايا ذات الطابع الدولي. كما يمثل نقطة الاتصال الأساسية بين القضاء العراقي والشركاء الدوليين. وأضاف أن مهام المركز تتضمن استقبال ومتابعة طلبات التعاون والمساعدة القانونية، إضافة إلى جمع الأدلة وحفظها وأرشفتها وتحليلها. ويشمل عمله تبادل الأدلة والمعلومات وفق الأطر القانونية المعمول بها، وتقديم الدعم القضائي والفني. كما يهدف المركز إلى بناء الشراكات الدولية وتطوير القدرات الوطنية في مجالات التحقيق والأدلة الرقمية والتوثيق. وأشار جفات إلى أن ملف حقوق الإنسان يمثل مساراً أساسياً في عمل المركز، خصوصاً في القضايا المرتبطة بضحايا وناجين من جرائم الإرهاب. يعمل المركز على التواصل مع الناجين وتوثيق بياناتهم، والتنسيق مع المحاكم المختصة لتمكينهم من الإدلاء بشهاداتهم، مع الالتزام بمبادئ السرية والخصوصية والسلامة والكرامة، وتجنب التسبب بضرر إضافي لهم. ويتولى المركز أيضاً إعداد دراسات وتقارير حول جرائم الإرهاب والتطرف، وتطوير أدوات عمل تساعد الجهات القضائية المختصة في التعامل مع الملفات المعقدة والمتعددة الجنسيات. وذكر القاضي جفات أن المركز يعمل كحلقة وصل أساسية بين القضاء العراقي والجهات القضائية والقانونية في الدول الأخرى، بهدف تحويل التعاون الدولي من مجرد تبادل للمخاطبات إلى مسار قضائي منظم وفعال. وأفاد بأن المركز يستقبل طلبات المساعدة والتعاون من الجهات المعنية في الدول الأخرى، بما يتماشى مع القانون والاتفاقيات والأطر المعتمدة، لافتاً إلى أن هذا المسار شهد تطوراً ملحوظاً مع إنشاء قنوات اتصال مباشرة مع جهات قضائية دولية. وأوضح أن هذا التعاون توج بتوقيع مذكرة عمل استراتيجية بين مجلس القضاء الأعلى، ممثلاً بالمركز الوطني، ووكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون القضائي الجنائي "يوروجست" في لاهاي، وذلك في حزيران/يونيو 2026. وبذلك، أصبح العراق الدولة العاشرة من خارج الاتحاد الأوروبي التي توقع مذكرة عمل مع الوكالة. وأكد أن هذه الخطوة تهدف إلى تسريع وتطوير التعاون وتبادل المعلومات ودعم ملاحقة المطلوبين واستردادهم في القضايا ذات الطابع الدولي. وبين أن مكافحة الإرهاب وتوثيق جرائم عصابات داعش تشكل محاور أساسية في عمل المركز، لكن نطاق التعاون القضائي لا يقتصر على هذه الجرائم، نظراً لطبيعة الجريمة الحديثة التي أصبحت عابرة للحدود. وأضاف أن المركز يتعامل، ضمن اختصاصه، مع ملفات تتعلق بالجريمة المنظمة الدولية، والاتجار بالمخدرات، وغسل الأموال وتمويل الإرهاب، والمطلوبين دولياً، والجرائم الدولية الخطيرة، بالإضافة إلى طلبات المساعدة القانونية وتبادل الأدلة والمعلومات. وأشار إلى أن المركز قام بإنشاء وتطوير نظام أرشفة شامل وآمن وقابل للبحث، يتيح حفظ الأدلة الرقمية والوثائق المادية، بما في ذلك أدلة أرض المعركة والمعلومات المتعلقة بالجرائم الإرهابية. ويسهل هذا النظام استرجاع هذه الأدلة وربطها بالتحقيقات عند الحاجة، مما يحافظ على قيمتها القانونية ويدعم استخدامها أمام الجهات القضائية المختصة. وأكد المركز على اهتمامه الخاص بالشهود والناجين من جرائم الإرهاب، حيث أعد "الدليل الإرشادي للتعامل مع الناجين من الإرهاب". ويهدف هذا الدليل لتوفير إطار منظم للتعامل معهم خلال عمليات التواصل والتوثيق، بما يحفظ كرامتهم وخصوصيتهم وسلامة معلوماتهم وهويتهم، ويضمن مراعاة حقوقهم عند توثيق شهاداتهم واستخدامها في الإجراءات القضائية. وكمثال عملي على هذا الجهد، صرح جفات بأن المركز تمكن، من خلال تدقيق البيانات المؤرشفة ومطابقة المعلومات المتوافرة في قاعدة البيانات الوطنية، من الوصول إلى عدد كبير من الناجيات من المكون الأيزيدي وربط بياناتهن بالقضايا والمعلومات ذات الصلة. ومن بين هذه الحالات، أوضح جفات أنه تم التوصل إلى ناجية مرتبطة بقضية منظورة أمام المحكمة الأساسية في بريشتينا بكوسوفو. وقد جرى، بالتنسيق مع محكمة تحقيق الكرخ الأولى وبحضور القاضي المختص، الاستماع إلى شهادتها قضائياً عبر تقنية الفيديو كونفرنس، لتصبح شهادتها جزءاً من مسار التعاون القضائي الدولي المرتبط بالقضية. **إنجازات ملموسة وتعاون دولي واسع** وبخصوص أبرز إنجازات المركز منذ تأسيسه، أفاد جفات بأنها تقاس على مستويين: بناء القدرة المؤسسية داخلياً، وتحقيق نتائج قضائية ملموسة دولياً. وعلى المستوى المؤسسي، شكل استلام العراق 5704 متهمين من المنتمين إلى عصابات داعش الإرهابية من سجون سوريا، يمثلون 67 دولة، تحدياً كبيراً للمنظومة القضائية وآليات إدارة البيانات والتنسيق الدولي. وبين أن محكمة تحقيق الكرخ الأولى، المختصة بقضايا الإرهاب، باشرت إجراءات الاستجواب بحقهم فور وصولهم لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة. وأشار إلى أن هذا الملف أبرز الدور المتميز والقيمة الأساسية التي أضافها المركز من خلال تجميع مسارات كانت تتطلب سابقاً تنسيقاً بين جهات متعددة ضمن نقطة اتصال قضائية مركزية متخصصة. ويظهر هذا، بحسب جفات، بوضوح في ملف الأدلة المتعلقة بجرائم داعش بعد انتهاء ولاية "يونيتاد"، حيث أصبحت هناك جهة قضائية عراقية دائمة ومسؤولة عن استكمال عملية جمع الأدلة وحفظها وأرشفتها وتحديثها والتعاون بشأنها مع الدول، بدلاً من ارتباط هذا العمل ببعثة دولية محددة المدة. وأشار القاضي إلى أن هذا الملف يمثل نموذجاً فريداً من حيث الحجم والتعقيد، لارتباطه بآلاف المتهمين وعشرات الجنسيات، مما أسهم في تطوير آليات إدارة المعلومات والأرشفة والتحليل والتنسيق مع الجهات القضائية والدبلوماسية الأجنبية. أما على المستوى الدولي، فقد تم الانتقال خلال فترة وجيزة من مرحلة بناء العلاقات إلى تحقيق نتائج فعلية من خلال التعاون وتبادل الأدلة والمعلومات، سواء في منع جرائم إرهابية، أو دعم تحقيقات خارج العراق، أو ملاحقة مطلوبين وشبكات الجريمة المنظمة، فضلاً عن الانتقال إلى مستوى مؤسسي متقدم من الشراكة مع يوروجست. **مسارات متعددة للتعاون القضائي** وأكد القاضي جفات أن المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي يمتلك مسارات تعاون متعددة مع عدد من الدول والجهات القضائية الدولية، ولا يقتصر التعاون مع كل دولة على قضية واحدة، بل يشمل عدداً من الملفات وطلبات المساعدة وتبادل المعلومات والأدلة وفقاً لطبيعة كل قضية والأطر القانونية المعتمدة. وأشار إلى عدد من الأمثلة البارزة التي أُعلن عنها رسمياً، منها إسبانيا، حيث شمل التعاون القضائي عدة ملفات. ومن أبرز نتائجه تزويد السلطات الإسبانية بمعلومات وأدلة أسهمت في توقيف شخصين مشتبه بارتباطهما بأنشطة إرهابية، وذلك خلال عمليتين نفذتهما الشرطة الوطنية الإسبانية في مدينتي كارتاخينا وفيرول. وفي ألمانيا، يجري التعاون في أكثر من ملف وقضية ذات صلة بمكافحة الإرهاب. ومن أبرز النتائج، بحسب جفات، إسهام تبادل معلومات وأدلة عالية الأهمية بين الجانبين في إحباط مخطط إرهابي في مدينة هامبورغ كان في مراحل تحضيرية متقدمة ويستهدف تنفيذ اعتداء ضد تجمعات مدنية. وقد دعمت المعلومات إجراءات الرصد والتحقيق، ومكنت الجانب الألماني من اتخاذ التدابير اللازمة لمنع الهجوم قبل تنفيذه. وأوضح أنه في السويد، يمتد التعاون ليشمل عدداً من الملفات المرتبطة بالجريمة المنظمة العابرة للحدود. ومن أبرزها التعاون بين المركز والادعاء العام السويدي، الذي أسفر، بالتنسيق مع قوات إنفاذ القانون المختصة وبعد استحصال الموافقات القضائية، عن القبض على عدد من أبرز عناصر شبكات الجريمة المنظمة ذات التأثير المباشر في السويد. وقد انتهت القضية بصدور حكم بالسجن المؤبد. وبين أنه في أستراليا، يشمل التعاون القضائي عدداً من القضايا والملفات. ومن أبرز الأمثلة قضية المدان كاظم مالك حمد ربح الحجامي، حيث أدى طلب التعاون الرسمي إلى اتخاذ الإجراءات القضائية بحقه في العراق عن جرائم مرتبطة بالمخدرات والجريمة المنظمة. وانتهت القضية بصدور حكم بالسجن المؤبد بحقه ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة. وأضاف أنه في الولايات المتحدة الأمريكية، أسهم التعاون القضائي الدولي في التوصل إلى أحد المتورطين بالتحريض على الهجوم الإرهابي الذي وقع في مدينة نيو أورليانز في كانون الثاني/يناير 2025، والذي أسفر عن مقتل 15 شخصاً وإصابة 30 آخرين. وأردف قائلاً إن جهود المركز الوطني للتعاون القضائي الدولي، واستناداً إلى التحقيقات التي أجرتها محكمة تحقيق الكرخ الأولى، أسهمت في تحديد هوية المتهم وإلقاء القبض عليه في العراق، لثبوت انتمائه إلى ما يسمى بـ(مكتب العمليات الخارجية) التابع لعصابات داعش الإرهابية، واتخاذ الإجراءات القانونية بحقه وفقاً لقانون مكافحة الإرهاب. **التحديات والرؤى المستقبلية** وعن أبرز التحديات التي يواجهها المركز، أوضح رئيسه أن التحدي الأساسي يتمثل في أن الجريمة العابرة للحدود لا تتبع حدود الاختصاص القضائي لدولة واحدة. فقد يكون المتهم في العراق، والدليل في دولة ثانية، والضحية أو الشاهد في دولة ثالثة، بينما تتوزع أجزاء أخرى من التحقيق بين أكثر من جهة قضائية. وأضاف أن ذلك يترافق مع اختلافات النظم والتشريعات القانونية، وحجم الأدلة الرقمية، وتعدد اللغات والجنسيات، وسرية التحقيقات، ومتطلبات حماية البيانات والأدلة، وضرورة حماية الشهود والناجين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على سرعة الاستجابة للطلبات الدولية. وأكد أن المركز يعمل على تطوير مستمر لآليات إدارة الأدلة والمعلومات، وتوسيع قنوات الاتصال المباشر مع الجهات النظيرة، والاستثمار في الأدوات الرقمية والتدريب المتخصص، وإرساء أطر تعاون مؤسسية طويلة الأمد. ويرى أن مذكرة العمل مع "يوروجست" تمثل مثالاً على الانتقال من التعاون القائم على كل قضية بصورة منفردة إلى بنية تعاون مؤسسية مستدامة. وبشأن رؤية المرحلة المقبلة، صرح جفات بأنها تنطلق من تحويل الخبرة التي اكتسبها القضاء العراقي في التعامل مع الإرهاب والجرائم المعقدة إلى قدرة مؤسسية مستدامة في مجال التعاون القضائي الدولي. وأضاف أن المركز يطمح إلى توسيع شبكة الشراكات القضائية مع الدول والمؤسسات الدولية، والعمل على التطوير المستمر لقدراته في إدارة الأدلة الرقمية، وتسريع آليات المساعدة القانونية وتبادل الأدلة، واستكمال العمل المتعلق بتوثيق جرائم عصابات داعش الإرهابية، مع تعزيز النهج الذي يضع حقوق الضحايا والناجين وكرامتهم وحمايتهم ضمن مسار العدالة. واختتم حديثه بالتأكيد على أن الهدف الأبعد يتمثل في ترسيخ دور المركز بوصفه بوابة القضاء العراقي للتعاون القضائي مع العالم، مستنداً إلى ما حققه من شراكات ونتائج عملية في تبادل الأدلة والمعلومات ودعم التحقيقات والملاحقات العابرة للحدود. كما يتطلع المركز، بحسب جفات، إلى توسيع هذا الدور وتطوير أدواته وآلياته وتعزيز شبكة شراكاته الدولية، بما يرسخ مكانة العراق بشكل أكبر كشريك فاعل في منظومة التعاون القضائي الدولي، ويسهم بصورة أكبر في مكافحة الجرائم العابرة للحدود، وتعزيز المساءلة وتحقيق العدالة.