عالمي

وثيقة روسية سرية تكشف تفاصيل خطة موسكو وطهران لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بمجالات متعددة

ف
فريق صوت المسلة
20 أيلول 2026 8 دقائق قراءة
وثيقة روسية سرية تكشف تفاصيل خطة موسكو وطهران لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بمجالات متعددة

كشفت وثيقة حكومية روسية غير عامة عن خطط موسكو لتعميق علاقاتها مع إيران بما يتجاوز التجارة التقليدية، وتفاصيل لإنشاء قنوات مالية بديلة، وتعاون نووي، وإنتاج إيران لمكونات الطائرات الروسية، ومشاريع طاقة رئيسة، بالإضافة إلى طرق نقل جديدة تمتد نحو الخليج العربي. تحدد الوثيقة، التي تحمل عنوان "خطة التعاون بين الاتحاد الروسي والجمهورية الإسلامية الإيرانية للفترة 2024-2026"، الوزارات والوكالات والشركات الحكومية المسؤولة عن هذه المشاريع، وتضع مواعيد نهائية تمتد حتى نهاية عام 2026. وفي تحليل للوثيقة، أشارت محللة أبحاث في برنامج روسيا التابع لمؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، إلى أن أهمية الوثيقة لا تكمن في أي مشروع منفرد، بل في البنية الشاملة التي تسعى موسكو لبنائها حول العلاقة مع طهران. وأضافت المحللة أن خريطة الطريق ليست مفاجئة بالكامل، حيث أن العديد من أوجه التعاون المذكورة بين البلدين كانت معلنة لسنوات للمتابعين عن كثب للعلاقة الروسية-الإيرانية. يُشير خبراء إلى أن موسكو وطهران "بحاجة ماسة لبعضهما البعض"، فيما أعلنت روسيا دعمها للنظام الإيراني. يعود تاريخ الوثيقة إلى ما قبل الحرب الحالية التي تشمل إيران والولايات المتحدة بأكثر من عام، مما يعني أنها لا تحدد المشاريع التي لا تزال نشطة أو كيف أثر الصراع على خطط موسكو. ومع ذلك، تُظهر مراجعة مستقلة للوثيقة المكتوبة باللغة الروسية، إلى جانب التقارير العامة اللاحقة، أن عددًا من المبادرات الموصوفة في خريطة الطريق قد تقدمت أو تحققت لاحقًا. **التهرب من العقوبات الأمريكية** وفقاً لمصدر استخباراتي أوروبي راجع المواد، فإن هذه الوثائق رفيعة المستوى وغير المتاحة للجمهور توضح التعاون الشامل بين روسيا وإيران. وأضاف المصدر أن الوثيقة "استراتيجية وحساسة وذات طابع سياسي للغاية، وتركز على مجالات مثل البرامج النووية وتجارة الطاقة والمعاملات المالية التي تهدف إلى التهرب من العقوبات الأمريكية." في المقابل، صرح مسؤول أمريكي، في رد غير رسمي حول الأحكام المالية، بأن العقوبات الأمريكية "عزلت روسيا وإيران بشدة عن النظام المالي الدولي"، مضيفاً أن جهود البلدين لتطوير قنوات مالية بديلة ومخططات أخرى للتهرب من العقوبات "ليست مفاجئة". وأكد المسؤول أن واشنطن تراقب عن كثب محاولات السلطات القضائية الخاضعة للعقوبات لتطوير آليات دفع بديلة عبر الحدود، وستسعى إلى تعطيل تلك التي تسهل التهرب من العقوبات أو التمويل غير المشروع. لا تستخدم الوثيقة الروسية نفسها عبارة "التهرب من العقوبات". بدلاً من ذلك، تدعو مراراً وتكراراً إلى زيادة استخدام العملات الوطنية والقنوات المالية المستقلة واتخاذ تدابير لمواجهة ما تصفه موسكو بأنه "تدابير تقييدية أحادية الجانب". **بناء قنوات مالية خارج الأنظمة الغربية** تتعلق بعض الأحكام الأكثر وضوحاً بكيفية اعتزام روسيا وإيران تحويل الأموال. هددت الخطة هدفًا يتمثل في زيادة حصة التجارة الثنائية التي تتم بالعملات الوطنية من 68% في عام 2024 إلى 71% بحلول عام 2026، مع السعي أيضاً إلى توسيع حسابات المراسلة المقومة بالعملات الوطنية. وبشكل أكثر طموحاً، تدعو خريطة الطريق بنك روسيا والبنك المركزي الإيراني إلى تطوير استخدام العملات الرقمية للبنوك المركزية في التسويات عبر الحدود. وينص بند آخر على "ضمان استخدام أنظمة مستقلة لنقل الرسائل المالية"، بما في ذلك ربط المؤسسات المالية بقنوات مستقلة لتبادل المعلومات المالية. ولا تحدد الوثيقة نظام المراسلة الذي سيتم استخدامه أو تنص صراحة على أن الهدف هو تجاوز نظام سويفت أو الضوابط المالية الأمريكية. وقد أصبح بعض هذا التكامل المالي علنياً فيما بعد. ففي فبراير/شباط 2025، صرّح نائب رئيس الوزراء الروسي أليكسي أوفرتشوك بأن روسيا وإيران قد حوّلتا "بشكل شبه كامل" التسويات الثنائية إلى عملات وطنية باستخدام أنظمتهما الخاصة لنقل الرسائل المالية والمصرفية. وذكرت وكالة أنباء إنترفاكس الروسية أن هذا الجهد يأتي ضمن مسعى أوسع نحو بنية تحتية مستقلة للدفع بين البلدين. كما صرّح سفير إيران لدى روسيا في فبراير/شباط 2025 بأن طهران وموسكو لم تعودا بحاجة إلى نظام سويفت في العلاقات المصرفية الثنائية، وأنهما تستخدمان أنظمة مراسلة مصرفية سرية خاصة بهما. وأضاف أن المرحلة الأولى من ربط شبكة الدفع الإيرانية "شيتاب" بنظام "مير" الروسي قد بدأت في العام السابق. وأوضحت المحللة أن أهمية تلك الإجراءات تراكمية، مشيرة إلى أنه "بشكل فردي، لا تُعدّ أي من هذه المبادرات تحويلية. ولكن بشكل جماعي، فإنها تُشكّل محاولة لإزالة نقاط الضعف الفردية وبناء فائض في العلاقة الاقتصادية بين روسيا وإيران". **الجهد المالي مقرون بجهد سياسي** تدعو خريطة الطريق روسيا وإيران إلى التنسيق من خلال مجموعة البريكس وغيرها من المؤسسات الدولية ضد "القيود التجارية الأحادية"، بينما يقترح بند آخر دراسة سبل مواجهة "التدابير التقييدية الأحادية" وتأثيرها على الأسواق العالمية. وأفادت المحللة بأن الأمر يتجاوز مجرد إيجاد حلول بديلة، وكتبت قائلة: "الأمر المثير للاهتمام بشكل خاص هو أن خريطة الطريق تتجاوز أيضاً الحلول العملية للعقوبات وتشمل جهداً لبناء حملة فكرية ودبلوماسية ضد العقوبات نفسها"، مشيرة إلى خطط لمجتمعات الخبراء ومنصات النقاش ومنتدى دولي يركز على القيود الأحادية. وفي سياق متصل، صرح مسؤول أمريكي بأن المؤسسات المالية والوسطاء الذين يسهلون التهرب من العقوبات يعرضون أنفسهم لـ "مخاطر عقوبات كبيرة"، مضيفاً أن واشنطن ستواصل العمل مع الشركاء من أجل "تحديد هذه الشبكات وكشفها وتعطيلها أينما ظهرت". كما رفض المسؤول فكرة أن الأنظمة الروسية الإيرانية البديلة يمكن أن تحل محل البنية التحتية المالية الغربية، قائلاً: "بإمكان روسيا وإيران محاولة بناء قنوات مالية بديلة، لكنهما لا تستطيعان محاكاة مدى وصول الدولار الأمريكي وسيولته وثقة النظام المالي الدولي بهما. ولن تُضعف جهودهما فعالية العقوبات الأمريكية". **روساتوم والقطاع النووي الإيراني** يتكامل الهيكل المالي مع ركيزة أخرى حساسة استراتيجياً في العلاقة: الطاقة النووية المدنية. وتنص الخطة على استمرار مسؤولية شركة "روساتوم" النووية الحكومية الروسية في محطة بوشهر للطاقة النووية الإيرانية، بما في ذلك دعم الوقود والصيانة للوحدة 1 واستمرار أعمال البناء المرتبطة بالوحدتين 2 و3. لم يقتصر التعاون على الورق فقط؛ ففي الثاني من سبتمبر/أيلول 2026، أعلنت شركة "روساتوم" أن الخبراء الروس بدأوا بالعودة إلى بوشهر، وأن الوحدة الأولى تستعد للصيانة الدورية واستبدال جزئي للوقود، وأن الوقود النووي قد تم تسليمه بالفعل إلى الموقع. كما أكدت روساتوم استمرار العمل في المحطة، وأنه من المتوقع وصول المزيد من الخبراء الروس. وأشارت المحللة إلى أن مشروع وحدتي بوشهر 2 و3 يسبق خريطة طريق 2024، مما يعني أن الوثيقة لم تنشئ هذا التعاون بل دمجت مشروعاً استراتيجياً قائماً في الإطار الأوسع بين روسيا وإيران. وصرح مصدر استخباراتي أوروبي بأن "هذه الاستراتيجيات والبروتوكولات تؤكد أن روسيا وإيران دولتان متحالفة بشكل وثيق، ومن شبه المؤكد أن روسيا ستواصل تعاونها الحالي مع إيران وتستعى إلى زيادته حتى عام 2026". **مشاريع الطاقة الرئيسية** يحدد هذا الاتفاق مناطق شادجان وكيش وشمال بارس، ويسند مسؤولية تطوير هذه المشاريع إلى وزارة الطاقة الروسية و"شركات روسية مهتمة" لم يتم تحديدها. لم تُذكر أسماء تلك الشركات في خريطة الطريق. وفي العديد من المشاريع، وُضعت علامة "سري" على خانة التمويل. هناك أدلة على أن مشروعاً واحداً على الأقل من المشاريع المذكورة قد حقق تقدماً. ففي 13 فبراير 2026، أفادت وكالة إنترفاكس أن شركة ZN-Vostok الروسية المملوكة للدولة كانت تعمل على تطوير حقل شادكان النفطي الإيراني، بينما قال مسؤولون إيرانيون إن طهران تأمل في توسيع الاستثمارات الروسية لتشمل مشاريع نفط وغاز إضافية. تحدد خريطة الطريق معالم رئيسة لمشروع شادجان حتى نهاية عام 2025، بينما يمتد العمل المتعلق بمشروعي كيش ونورث بارس حتى عام 2026 ويتضمن أعمالاً قانونية وتجارية وتحليلية للمشروع. يظهر هذا النمط بشكل متكرر في جميع أنحاء الوثيقة: يتم تحديد الوزارات والمواعيد النهائية والأهداف الاستراتيجية، بينما تظل بعض الشركات المشاركة أو ترتيبات التمويل غير معلنة. **قطع غيار الطائرات الروسية.. "صنع في إيران"** تدعو خريطة الطريق روسيا إلى المساعدة في إنشاء إنتاج في إيران لأجزاء وتجميعات فردية للطائرات الروسية. تم توجيه السلطات الروسية لتحديد أجزاء الطائرات التي يمكن إصلاحها أو تصنيعها في إيران، وتحديد الشركات الإيرانية القادرة على إنتاجها، واعتماد مواقع مختارة من خلال هيئة تنظيم الطيران الروسية (Rosaviatsiya)، وإبرام اتفاقية توطين. وحددت خريطة الطريق موعداً نهائياً في 31 مارس 2026 للتوصل إلى اتفاق بشأن الإنتاج المحلي، وموعداً مستهدفاً في 31 ديسمبر 2026 لإطلاق إنتاج النموذج الأولي. وتشير الأدلة العامة إلى أن التعاون في مجال الطيران قد تقدم في مجال صيانة الطائرات. **طريق تجاري جنوبي** كما توضح الوثيقة جهوداً لتعزيز شبكة النقل المادية التي تربط روسيا وإيران. تدعو إلى العمل على خط سكة حديد مقترح مبني وفقاً لمقياس السكة الحديدية الروسي البالغ 1520 مليمتراً، ويمتد من حدود إيران مع أذربيجان باتجاه الموانئ الإيرانية على الخليج العربي. بقي الاقتراح في مرحلة التخطيط والتفاوض ضمن خريطة الطريق. وفي سياق منفصل، سعت موسكو إلى تطوير خط سكة حديد رشت-أستارا، وهو حلقة مفقودة بطول 162 كيلومتراً تقريباً في ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب. ثم تجاوز ذلك المشروع المرحلة المفاهيمية البحتة. فقد أعلنت وزارة النقل الروسية أن روسيا وإيران أطلقتا رسمياً الدراسات الهندسية للسكك الحديدية في مايو 2025. وأوضحت المحللة أن المشروع لم يكتمل بناؤه بعد بحلول أواخر صيف عام 2026، حيث يواصل المسؤولون الروس والإيرانيون العمل على ترتيبات التنفيذ والبناء. كما أشارت إلى بند آخر: استثمار إيراني في البنية التحتية للميناء في أستراخان بروسيا. وتتضمن خريطة الطريق إنشاء محطة هناك باستثمارات إيرانية، إلى جانب مستودعات ومنطقة لوجستية ومرافق لتخزين الحبوب والزيوت النباتية. وقد وجدت المحللة أن شركة مملوكة لإيران قامت لاحقاً بتشغيل محطة في أستراخان مزودة بخط سكة حديد فرعي، وكانت تبني مرافق لتخزين الحبوب والزيوت النباتية تتوافق إلى حد كبير مع وصف خريطة الطريق، على الرغم من أن الوثيقة لا تحدد اسم تلك الشركة صراحةً، ولا يمكن التأكد من التطابق بشكل قاطع. وتشير أحكام النقل مجتمعة إلى جهد لبناء طرق تجارية مادية أقل اعتماداً على الممرات الأوروبية التقليدية.

ف

فريق صوت المسلة