اقتصاد
صندوق النقد يدعو لتعزيز استقلالية البنوك المركزية في الشرق الأوسط
حث صندوق النقد الدولي على تنفيذ إصلاحات تدريجية بهدف ترسيخ استقلالية البنوك المركزية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى. وتتضمن هذه الإصلاحات مراجعة شاملة لقوانين البنوك المركزية، وتأكيد أولوية استقرار الأسعار كهدف رئيسي، بالإضافة إلى تحديد صلاحيات واضحة وفعالة لرسم السياسة النقدية وتطبيقها. وأوضح تقرير صادر عن الصندوق يوم الثلاثاء، الحاجة الملحة لوضع ضوابط صارمة تمنع أو تحد من لجوء الحكومات لتمويلها من خلال البنوك المركزية. ويشمل ذلك تحديداً حظر الشراء المباشر لأدوات الدين الحكومية أو تقديم قروض غير محدودة للخزانة العامة، وذلك بهدف الحيلولة دون تحول البنك المركزي إلى أداة تمويلية للسلطة التنفيذية في أوقات الأزمات المالية والضغوط المتزايدة. وأكد التقرير ذاته أهمية تعزيز الاستقلال المالي للمؤسسات المصرفية المركزية، عبر تمكينها من إقرار موازناتها الخاصة بها. كما شدد على ضرورة وضع أسس واضحة لتوزيع الأرباح وتغطية الخسائر المحتملة وإعادة الرسملة، مما يعزز من قدرتها على أداء وظائفها الأساسية دون التأثر بالمتطلبات المالية الحكومية العاجلة أو قصيرة الأجل. وتتضمن قائمة الإصلاحات المقترحة: * تحسين آليات الحوكمة من خلال اختيار المحافظين وأعضاء مجالس الإدارة استناداً إلى معايير الكفاءة والخبرة المهنية. * اعتماد فترات ولاية متداخلة تتجاوز مدة الدورات السياسية للمناصب التنفيذية. * تخفيض نسبة مشاركة ممثلي الحكومة في مجالس إدارة البنوك المركزية، بهدف الحد من تضارب المصالح وتقوية الدور الرقابي المستقل لهذه البنوك. ويوصي الصندوق أيضاً بنشر تقارير السياسة النقدية، والبيانات المالية المدققة، ومحاضر الاجتماعات متى أمكن ذلك. كما دعا إلى شرح القرارات المتخذة للجمهور والمستثمرين، مؤكداً أن مصداقية البنك المركزي لا تقتصر على استقلاليته فحسب، بل تمتد لتشمل قدرته على المساءلة وتوضيح أهدافه وخياراته. وخلص التقرير الصادر عن صندوق النقد إلى أن الاستقلالية التي تتمتع بها البنوك المركزية قد ارتبطت بشكل مباشر بقدرة أكبر على كبح جماح التضخم واحتواء تقلبات الأسعار. ويبرز هذا الارتباط بوضوح في البلدان التي تعتمد أطراً واضحة للسياسة النقدية وتمنح مؤسساتها المصرفية المركزية صلاحيات واسعة النطاق، بعيداً عن أي ضغوط سياسية أو مالية عاجلة. ويبرز التقرير أهمية استقلالية البنوك المركزية في مرحلة تشهد فيها العديد من الدول تحديات متزامنة، بما في ذلك ارتفاع تكلفة الديون، وتزايد الاحتياجات التمويلية الحكومية، وتقلبات حادة في أسعار المواد الغذائية والطاقة، فضلاً عن ضعف العملات المحلية في بعض الاقتصادات التي تعتمد على استيراد السلع الأساسية. وفقاً لما جاء في الوثيقة، شهد متوسط التضخم في دول الشرق الأوسط وآسيا الوسطى انخفاضاً ملحوظاً من حوالي 9% خلال الفترة ما بين 1981 و1999، ليصل إلى 5% في الفترة اللاحقة الممتدة حتى عام 2019. وقد تزامن هذا الانخفاض مع تحسن تدريجي في مستوى استقلالية البنوك المركزية، لا سيما منذ مطلع الألفية الجديدة. ويوضح الصندوق أن هذا التقدم لم يكن متساوياً عبر جميع الدول؛ فقد حققت البلدان التي تربط عملاتها بعملات أجنبية، والتي تشمل غالبية دول الخليج، نتائج أفضل في تحقيق استقرار الأسعار بفضل وجود مرساة اسمية محددة. في المقابل، واجهت الدول التي تفتقر إلى أطر نقدية واضحة أو التي تخضع لما يصفه التقرير بـ "الهيمنة المالية" صعوبات أكبر في السيطرة على التضخم. ويركز مفهوم "الهيمنة المالية" على الضغوط التي تدفع البنك المركزي نحو تمويل الحكومة أو الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات لا تعكس الحاجة الحقيقية لكبح التضخم. وقد تجلت هذه الضغوط بوضوح في اقتصادات تعاني من ارتفاع الدين المحلي، أو عجز مالي مستمر، أو اعتماد كبير على برامج الدعم والأسعار المدارة حكومياً. **اختبار التضخم** وفقاً للتقرير، شكلت موجة التضخم التي أعقبت جائحة كوفيد-19 اختباراً حقيقياً لاستقلالية البنوك المركزية في المنطقة. فقد شهدت الأسعار ارتفاعاً عالمياً نتيجة اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الغذاء والطاقة، وتفاقمت هذه الضغوط بعد اندلاع الصراع الروسي الأوكراني، مما وضع البنوك المركزية أمام تحدي الموازنة بين جهود كبح التضخم ودعم التعافي الاقتصادي. ويشير الصندوق إلى أن البلدان التي تتمتع بتفويض أوضح لتحقيق استقرار الأسعار وتعتمد أطراً نقدية أكثر شفافية قد تعاملت بفعالية أكبر مع موجة التضخم. أما في الدول التي تربط سعر صرف عملتها، فقد أسهمت المصداقية المكتسبة من هذا الربط في تثبيت توقعات التضخم، خصوصاً عندما كانت مدعومة باحتياطيات أجنبية وفيرة وقدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية. في المقابل، شهدت الدول التي تتبنى أطراً نقدية مغايرة انخفاضاً في معدلات التضخم لاحقاً، إلا أنها ظلت أعلى من مستوياتها المسجلة قبل الجائحة في عدة حالات. ويعزى ذلك إلى ضعف انتقال أثر السياسة النقدية إلى الاقتصاد، وارتفاع ظاهرة الدولرة، وتراجع فعالية أسواق رأس المال، بالإضافة إلى اعتماد الحكومات على البنوك المحلية لتلبية احتياجاتها التمويلية. ويقدم التقرير لبنان كنموذج على التدهور الاقتصادي الحاد، مصاحباً بـ "تآكل الثقة في السياسة النقدية والمالية"، حسب وصفه. وقد أسفرت الأزمة الاقتصادية والمالية هناك عن تضخم جامح، وتراجع سريع في قيمة العملة الوطنية، واستنزاف احتياطيات النقد الأجنبي، وذلك بعد سنوات من تبني سياسات مالية ونقدية افتقرت إلى الاستدامة. وفيما يخص مصر، أشار التقرير إلى أن ارتفاع الدين المحلي، والضغوط المستمرة على العملة المحلية، وسحب بعض تدابير الدعم لاحقاً، قد أسهمت في إضعاف فعالية انتقال السياسة النقدية وزيادة معدلات التضخم. ويأتي ذلك على الرغم من إقرار قانون جديد للبنك المركزي والقطاع المصرفي في عام 2020، والذي كان يهدف إلى تحديث الإطار التشريعي وتعزيز الدور الرقابي. **نماذج إصلاح** ويوثق التقرير تحقيق تقدم في عدد من الدول العربية؛ فقد طبقت كل من المغرب والجزائر، منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى عام 2010، إصلاحات قانونية ومؤسسية كان محورها استقرار الأسعار، وتعزيز الاستقلال الشخصي والمالي لمؤسساتهما المصرفية المركزية، بالإضافة إلى وضع قيود صارمة على تمويل العجز المالي. وأظهر الأردن تقدماً في مجال الاستقلال القانوني، خاصة بعد الأزمة المالية العالمية عام 2008، وذلك من خلال تعزيز القيود المفروضة على الإقراض المباشر للحكومة. بينما أقر العراق إصلاحات ساهمت في رفع مستوى استقلالية مصرفه المركزي، كجزء من مسار أوسع لبناء مؤسساته النقدية بعد فترة طويلة من عدم الاستقرار. وفي تونس، تم إقرار قانون جديد للبنك المركزي في عام 2016، مما عزز من دوره في صياغة السياسة النقدية. وفي السعودية، مُنح البنك المركزي صلاحيات أوسع لتنظيم القطاع المالي وتحقيق أهدافه بموجب نظام صدر في عام 2020، مع استمرار الجهود لتعزيز استقلاليته التشغيلية، ومساءلته، وشفافيته، وتوفير الحماية القانونية له. غير أن الصندوق لا يرى أن الاستقلال القانوني وحده كافٍ؛ فالتمييز بين النص التشريعي والممارسة الفعلية يظل عاملاً حاسماً. فقد يتمتع البنك المركزي باستقلال منصوص عليه في القانون، لكنه قد يواجه في الواقع ضغوطاً سياسية أو مالية تحد من قدرته على رفع أسعار الفائدة أو تشديد الائتمان عندما تستدعي ظروف التضخم ذلك. ووفقاً لما جاء في التقرير، فإن تأثير إصلاح استقلالية البنوك المركزية يستغرق وقتاً ليظهر بشكل كامل. وتشير النماذج التحليلية المستخدمة إلى أن زيادة مؤشر الاستقلالية ترتبط بانخفاض التضخم بما يتراوح بين 0.5 و0.6 نقطة مئوية بعد عام واحد، ويصل هذا التأثير إلى ذروته في السنة ، حيث يظل التضخم أقل بنحو 0.5 إلى 0.8 نقطة مئوية مقارنة بالمسار الأساسي المتوقع. **فجوة عربية** يرى الصندوق أن دول المنطقة قد أحرزت تقدماً "مهماً" في سبيل تعزيز الاستقلال القانوني لبنوكها المركزية، خاصة في ميادين الاستقلال المالي والإفصاح وإعداد التقارير. ومع ذلك، يشير التقرير إلى استمرار وجود نقاط ضعف مؤسسية تؤثر على قدرة هذه البنوك على التصرف باستقلالية تامة عند مواجهة تقلبات الأسعار المفاجئة. ووفقاً لما ورد في التقرير، تتجلى الفجوة الأكثر وضوحاً في حوكمة البنوك المركزية، وبالتحديد في آليات تعيين المحافظين وأعضاء مجالس الإدارة، وطول فترات ولاياتهم، بالإضافة إلى احتمالية تأثر قرارات التعيين أو الإقالة بقرارات السلطة التنفيذية. وبشكل عام، لا تزال دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودول الخليج متخلفة عن الاقتصادات المتقدمة في مستوى استقلالية مجالس بنوكها المركزية ومحافظيها، حسبما ذكر التقرير. كما يبرز التقرير مشكلة إقراض الحكومات، حيث يوضح الصندوق أن السماح للبنوك المركزية بتمويل القطاع العام، أو غياب ضوابط قانونية واضحة لهذا التمويل، قد يؤدي إلى تداخل بين هدف استقرار الأسعار ومتطلبات الخزانة العامة، مما يقلل من فعالية السياسة النقدية. ويشير التقرير إلى تباين ملحوظ بين دول المنطقة العربية، فبينما حافظت دول الخليج بشكل عام على معدلات تضخم منخفضة ومستقرة، مدعومة بربط عملاتها بالدولار الأمريكي وامتلاكها لهوامش مالية واحتياطيات ضخمة، واجهت دول أخرى مثل مصر ولبنان وتونس ضغوطاً أكبر. ويعزى ذلك إلى تداخل الصدمات الخارجية مع اختلالات داخلية تتعلق بالمالية العامة وسعر الصرف. ويذكر التقرير أن دول مجلس التعاون الخليجي قد بدأت منذ أواخر العقد الماضي في تعزيز الاستقلال القانوني لمؤسساتها المصرفية المركزية، وذلك بالتوازي مع تطوير الأطر الرقابية والمالية ضمن جهود تنويع اقتصاداتها. ومع ذلك، ينبه إلى أن بعض القيود المرتبطة بالإقراض الحكومي والمهام المتعددة للبنوك المركزية لا تزال تتطلب تنظيماً قانونياً أكثر وضوحاً.