فنون

جدل "نازا": فيلم غزة يكشف تصدعات عميقة في المؤسسة الإسرائيلية

ف
فريق صوت المسلة
20 أيلول 2026 5 دقائق قراءة
جدل "نازا": فيلم غزة يكشف تصدعات عميقة في المؤسسة الإسرائيلية

أثار فيلم "نازا"، الحائز على جائزة في مهرجان البندقية السينمائي ويتناول قتل المدنيين في غزة، جدلاً واسعاً داخل الأوساط الإسرائيلية، متجاوزاً كونه عملاً سينمائياً ليصبح قضية سياسية وإعلامية محورية. هذا الجدل، الذي تفاقم بعد كشف تقرير إسرائيلي عن توصيات عسكرية ودبلوماسية بخفض التفاعل مع الفيلم، يعكس حساسية إسرائيلية عميقة تجاه الروايات المتعلقة بالحرب في غزة وتداعياتها المحتملة على الساحة الدولية. تشير معلومات صحفية إلى أن شخصيات داخل مكتب رئيس الوزراء تساهم في تأجيج الجدل الداخلي المحيط بالفيلم، وذلك لاعتبارات سياسية مرتبطة بحملات انتخابية. وتوصي الجهات المهنية بتهدئة النقاش للحد من الضرر الإعلامي المحتمل على صورة إسرائيل. هذا الوضع يأتي في ظل تصاعد تصريحات مسؤولين إسرائيليين ضد صُنّاع العمل، مما يبرز انقساماً داخلياً حول كيفية الموازنة بين الحفاظ على الصورة الدولية للدولة والاعتبارات السياسية المحلية. كشف تقرير إسرائيلي أن جهات مهنية رفيعة في الجيش ووزارة الخارجية قدمت توصيات بعدم استهداف صُنّاع الفيلم وتقليل التغطية الإعلامية المحيطة به. واستندت هذه التوصيات إلى تقييم مفاده أن الفيلم لم يجذب اهتماماً دولياً كبيراً بعد، ولم يسفر عن احتجاجات واسعة أو استفسارات رسمية من حكومات أجنبية. وحذرت هذه الجهات من أن الردود العدائية قد تحوّل النقاش بعيداً عن محتوى الفيلم نحو اتهامات لإسرائيل بمحاولة قمع الانتقادات وتقييد حرية التعبير، داعيةً إلى مقاربة منظمة ومدروسة للملف بدلاً من الاستجابات المتسرعة. غير أن هذه المقاربة الهادئة تصطدم بتوجه سياسي مغاير، حيث يواصل وزراء ومسؤولون إسرائيليون تصعيد لهجتهم ضد الفيلم ومخرجيه، ويصل الأمر ببعضهم إلى حد طرح سحب الجنسية عنهم والتحقيق في كيفية حصولهم على المعلومات المستخدمة في العمل. تضع هذه التوصيات الفيلم في صلب مفارقة واضحة، حيث تسعى المؤسسة العسكرية إلى تقليص الاهتمام به كسبيل أمثل للتعامل معه، في حين تتجه شخصيات سياسية وأمنية نحو التصعيد. وتؤكد التوصية أن الفيلم لم يصبح قضية دولية كبرى بعد، وأن الهجوم المكثف عليه قد يزيد من انتشاره ويمنح منتقدي إسرائيل فرصة لتحويل النقاش إلى مسألة حرية التعبير. ومع ذلك، لا يعني هذا قبول المؤسسة العسكرية لمضمون الفيلم، بل هو انعكاس لاستراتيجية مختلفة في إدارة الأضرار الإعلامية والسياسية المترتبة عليه. اسم الفيلم "نازا" هو اختصار إسرائيلي لعبارة "الضرر الجانبي". وهو فيلم وثائقي من إخراج يوفال أبراهام وراشيل زور، ويعتمد على شهادات 24 جندياً ومسؤولاً في الجيش والاستخبارات ممن خدموا خلال الحرب في غزة. يستعرض الفيلم آليات اختيار الأهداف العسكرية، واستخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف، وتقديرات الخسائر المدنية المحتملة قبل تنفيذ بعض الضربات. ومن أبرز القضايا المثارة فيه، حديث عن غارة كان من المتوقع أن تسفر عن مقتل نحو 500 مدني. وينفي الجيش الإسرائيلي هذه الرواية، مؤكداً أن قرارات الاستهداف النهائية يتخذها البشر وليس أنظمة الذكاء الاصطناعي بشكل مستقل، ورافضاً بشدة المزاعم حول الغارة التي يُقال إنها قد تودي بحياة 500 مدني. فاز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم الخاصة في مهرجان البندقية السينمائي بعد عرضه الذي لفت انتباه دولياً. ويؤكد صُنّاعه أنهم تحققوا من شهادات مصادرهم، التي تشمل إسرائيليين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم. وقد تجاوز الخلاف طبيعته كجدل حول فيلم وثائقي، ليصبح نقاشاً أوسع حول الحرب ذاتها، وعمليات الاستهداف، وحدود النقد المسموح به للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية. يسعى الجيش الإسرائيلي للتعامل مع الفيلم عبر دحض ما يعتبره مزاعم كاذبة أو مضللة، مع تقديم شروحات لآليات اتخاذ قرارات الاستهداف. في المقابل، تبنى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو موقفاً أكثر حدة، وهاجم الفيلم ومخرجيه، مما دفع النقاش السياسي إلى دراسة إجراءات قانونية محتملة قد تطال المخرجين. وكان وزير الثقافة الإسرائيلي، ميكي زوهار، قد طالب بالتحقيق في كيفية حصول صُنّاع الفيلم على موادهم وما إذا كان ذلك يشكل مخالفة قانونية تتعلق بالحصول على معلومات سرية، قبل أن يتطور الخطاب السياسي ليطرح فكرة سحب الجنسية. ووصف نتنياهو الفيلم بأنه "تحريض صادم"، وهدد بفرض عقوبات تشريعية، بما في ذلك سحب الجنسية وغرامات مالية، على من يتهمهم بتشويه صورة الجنود أو الدولة. تأتي هذه التطورات في ظل تحول قضية الفيلم إلى جزء لا يتجزأ من نقاش سياسي أوسع داخل إسرائيل، حيث تجاوز الخلاف مسألة دقة الأحداث المعروضة فيه ليشمل كيفية تعامل الحكومة مع عمل إسرائيلي ينتقد أداء الجيش في فترة الحرب. ويكشف الفيلم عن صراع واضح بين منهجين داخل إسرائيل؛ أحدهما يركز على العلاقات الدولية وإدارة الصورة الإعلامية، والآخر يتعامل مع القضية كشأن سياسي داخلي يرتبط بالحرب والجيش والانتخابات. ولم يقتصر الجدل داخل إسرائيل على المستويين الحكومي والعسكري، بل امتد ليشمل الوسط الثقافي، حيث دافع أكثر من 700 عامل في قطاع السينما الإسرائيلية عن صُنّاع الفيلم وحقهم في حرية التعبير، بينما تعرض المخرجان لانتقادات وتهديدات من جماعات يمينية. ورغم حصوله على جائزة مرموقة واستمرار الجدل المحتدم، لم يُعرض الفيلم بعد على نطاق واسع داخل إسرائيل. ويدعو صُنّاع الفيلم الجمهور إلى مشاهدته قبل إصدار الأحكام، مشددين على أن جوهر العمل يكمن في شهادات الجنود والضباط الذين يظهرون فيه.

ف

فريق صوت المسلة