اقتصاد
مشروع استثماري لتكرير الوقود في كركوك يعزز الإنتاج المحلي ويقلص استيراد المشتقات
دعت شركة البرهم العراقية وزارة النفط إلى تعديل الصيغة الاستثمارية المعتمدة في مشروع وحدة هدرجة النفثا وتحسين البنزين في كركوك، عبر الانتقال إلى أسلوب البناء والتملك والتشغيل الكامل، محذرة من إمكانية التوقف عن العمل في حال استمرار تراكم المستحقات المالية وغياب الحلول التعاقدية. وجاء ذلك في مخاطبة رسمية حديثة موجهة إلى وزير النفط، كشفت عن رغبة المستثمر في إعادة تنظيم العلاقة التشغيلية بما يضمن ديمومة تدفق المشتقات النفطية عالية الجودة للأسواق المحلية وتجاوز المعوقات اللوجستية التي تهدد استمرارية الإنتاج التكريري. ويرى خبراء الطاقة والمتخصصون في شؤون التكرير أن التوجه نحو معالجة المواد النفطية الوسيطة وتحويلها إلى مشتقات متطورة يمثل ركيزة جوهرية للارتقاء بأداء المنشآت الوطنية. وتكتسب هذه البرامج أهمية مضاعفة لدورها المباشر في كبح استنزاف الاحتياطيات النقدية المخصصة لاستيراد الوقود من الخارج، بجانب فتح المجال أمام تدفق رؤوس الأموال الاستثمارية الخاصة لإنشاء وحدات صناعية ثقيلة دون فرض أي التزامات مالية أو أعباء إنشائية على ميزانية الدولة الاتحادية. ويبرز مشروع معالجة النفثا وتحسين الوقود في محافظة كركوك، المنفذ والمشغل بواسطة شركة البرهم بالشراكة مع شركة مصافي الشمال، كأحد النماذج الرائدة في جذب القطاع الخاص نحو الصناعات التكريرية التحويلية. ويعمل هذا المجمع على استقبال النفثا غير المعالجة وتحويلها عبر تقنيات متطورة إلى مركبات بترولية ذات عائد مجزٍ، وفي مقدمتها وقود السيارات المحسن برقم أوكتان يبلغ 92، وهو ما يحقق قفزة نوعية في تلبية متطلبات السوق المحلية وتخفيف الضغط على المصافي العامة. وتعتمد المنشأة في عملياتها المعقدة على تراخيص هندسية وتكنولوجية متقدمة مزودة من شركة هانيويل يو أو بي الأمريكية، وتشتمل على ثلاث وحدات تشغيلية متكاملة ومترابطة تقنياً. وتضم المنظومة وحدة رئيسية لهدرجة النفثا بطاقة تصميمية تبلغ 14 ألفاً و400 برميل يومياً بهدف تنقية اللقيم والتخلص من الكبريت والشوائب العالقة تمهيداً للمراحل اللاحقة، إلى جانب وحدة متخصصة بالأزمرة بطاقة استيعابية تصل إلى 6 آلاف برميل يومياً لرفع الكفاءة الأوكتانية للنفثا الخفيفة، إضافة إلى وحدة تحسين البنزين بطاقة إنتاجية تبلغ 8 آلاف برميل يومياً لإنتاج الوقود عالي الجودة المتطابق مع المعايير الفنية والبيئية. وتشير الحسابات التصميمية والتشغيلية إلى أن المجمع قادر على تكرير قرابة 4 ملايين و750 ألف برميل من النفثا سنوياً عند العمل بمعدل تشغيلي يصل إلى 330 يوماً في العام. كما تظهر مؤشرات الإنتاج قدرة المشروع على تزويد السوق بكميات يومية من الغاز النفطي المسال تتراوح ما بين 150 و170 طناً، يرافقها تدفق مستمر لباقة متنوعة من المشتقات البترولية التي تخدم عدة قطاعات صناعية واستهلاكية داخل البلاد. وتتركز الجدوى الاقتصادية لمثل هذه المشاريع، بحسب آراء المتخصصين، في خلق قيمة مضافة حقيقية للموارد الهيدروكربونية المحلية، إذ تتيح عمليات المعالجة الداخلية الاستفادة القصوى من الفارق السعري الكبير بين النفثا كمادة خام وسيطة والمنتجات التكريرية النهائية ذات الأسعار المرتفعة عالمياً. ويقود هذا المسار إلى ترشيد استغلال الثروة النفطية وتقويض الحاجة المزمنة لاستيراد البنزين الأجنبي، ما يضمن استقرار الإمدادات وتأمين متطلبات المحافظات القريبة من مراكز التكرير، والحد من تسرب العملات الصعبة نحو الخارج، وتنشيط قطاعات مساندة تشمل النقل والصيانة والتجهيز اللوجستي والخدمات الهندسية. وتفيد التقديرات الفنية للشركة المشغلة بأن المشروع يستهدف خفض معدلات استيراد الوقود بنحو 10 آلاف برميل في اليوم الواحد، مع تحقيق عوائد ومنافع اقتصادية للبلاد تتراوح بين 250 و300 مليون دولار سنوياً. ويبقى بلوغ هذه الأرقام محكوماً بمعدلات الجاهزية التشغيلية، ومستوى انتظام تزويد اللقيم، وكلف المعالجة، والكميات المسوقة فعلياً في الأسواق المحلية. وإلى جانب الأرقام الإنتاجية، توفر المنشأة نحو 350 فرصة وظيفية مباشرة للكوادر المحلية، فضلاً عن فتح آلاف نوافذ العمل غير المباشرة في سلاسل التوريد والخدمات المصاحبة، مع توفير برامج تدريبية تسهم في نقل التكنولوجيا الحديثة وبناء قدرات المهندسين والفنيين العراقيين في إدارة مصافي الوقود المتطورة. وعلى صعيد النماذج الاستثمارية، يؤكد الخبراء أن الارتقاء بقطاع التصفية يتطلب مرونة في اعتماد الصيغ التعاقدية، ولا سيما المقارنة بين نموذج البناء والتملك والتشغيل ونقل الملكية، ونموذج البناء والتملك والتشغيل المباشر دون نقل الأصول. ففي حين يقوم النظام الأول على إدارة المستثمر للمشروع لفترة محددة ثم تسليمه إلى الدولة، يتيح النظام الثاني للمستثمر تمويل المنشأة وتشغيلها وتملكها بصورة دائمة تحت مظلة التشريعات الوطنية المنظمة، حيث يتحمل المستثمر تكاليف الإنشاء والصيانة ومخاطر التسويق ويشتري المواد الخام من الدولة ويبيع مشتقاته، مما يمنح الموازنة العامة عوائد مالية مستقرة دون تحمل أعباء رأسمالية، مع احتفاظ المؤسسات الحكومية بسلطتها التنظيمية والرقابية والبيئية. ويرتبط الحفاظ على تدفق الإنتاج بتوفير متطلبات التشغيل المستدام، وفي مقدمتها استمرار إمدادات النفثا والوقود التشغيلي للمولدات، وتنفيذ أعمال الصيانة الدورية. وفي هذا السياق، تكشف البيانات الفنية عن وجود مخططات لتوسيع المشروع عبر إضافة معدات جديدة لوحدة تحسين بنزين إضافية بطاقة 4 آلاف و200 برميل يومياً فور استكمال الموافقات التنظيمية، مما يعزز قدرات المصفاة ويدعم استراتيجية التحول نحو المنتجات التكريرية عالية القيمة كالكيروسين وزيت الغاز والبتروكيماويات بدلاً من تصدير الخامات الأولية. وفي تفاصيل المخاطبات الرسمية، وجهت شركة البرهم كتاباً برقم 1160 بتاريخ 15 تشرين الأول 2026 إلى وزير النفط، طلبت فيه التحول إلى نظام البناء والتملك والتشغيل بدلاً من العقد الاستثماري رقم 2 الموقع في 31 أيار 2015 المعتمد على إعادة الملكية. وتضمن المقترح توقيع اتفاق رئيسي لشراء النفثا غير المعالجة من شركة توزيع المنتجات النفطية بالأسعار الرسمية المعتمدة، مع تحديد آليات التسديد والتسويق لضمان استمرار المنشأة وفق نموذج تجاري متوازن. كما اقترحت الشركة تسوية مستحقات أجور التصفية السابقة عبر تزويدها بلقيم النفثا بعد استبعاد تكاليف نقل الملكية، مبينة أنها حافظت على استمرار الإنتاج وتزويد الوقود منذ التدشين التشغيلي الفعلي في 8 أيلول 2025 رغم معاناتها من تأخر المستحقات المالية، وعدم فتح الاعتماد المستندي، ونقص زيت الغاز المخصص لمحطات التوليد، فضلاً عن تعثر إدخال المعدات الحديثة. وحذرت الشركة من أن استمرار هذه العقبات يضعها أمام ضغوط تشغيلية قد تضطرها للتوقف في حال عدم التوصل إلى حلول تعاقدية منصفة خلال مهلة 15 يوماً، مؤكدة تمسكها بكامل حقوقها المالية واستعدادها للتعاون بما يضمن حماية الاستثمارات وخدمة الاقتصاد الوطني.