اقتصاد
صندوق النقد يحذر: احتياطيات النفط العالمية تستنزف ومخاطر اقتصادية متفاقمة
أفاد كبير خبراء الاقتصاد في صندوق النقد الدولي، بيير-أوليفييه جورنشا، بأن السحوبات من مخزونات النفط الاستراتيجية أسهمت في منع ارتفاعات حادة بأسعار الخام في ظل الصراع بالشرق الأوسط. ومع ذلك، حذر جورنشا من أن الاقتصاد العالمي يواجه تحديات كبيرة ومخاطر تراجع إذا لم يستقر الوقف المؤقت لإطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران. وأوضح جورنشا في مقابلة أجريت قبيل مغادرته الصندوق للعودة إلى الأوساط الأكاديمية بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، أن تلك الاحتياطيات النفطية قد استُنفدت إلى حد كبير حالياً. وهذا يعني أن قدرة الدول على الاستجابة للأزمات المستقبلية، خاصة في حال تجدد الصراعات، ستكون محدودة للغاية. لم يكشف جورنشا عن تفاصيل التوقعات الجديدة التي من المقرر أن يصدرها صندوق النقد الدولي في الثامن من يوليو/تموز. لكنه كان قد نبه مراراً إلى أن تصاعد التوترات الجيوسياسية قد يعمق الانقسامات في الاقتصاد العالمي. ومع ذلك، ألمح إلى احتمال عودة الصندوق لتقديم توقعات اقتصادية أساسية، بدلاً من السيناريوهات الثلاثة التي كان قد طرحها في أبريل الماضي. تعد هذه هي المرة الثانية التي يفضل فيها الصندوق التخلي عن التوقعات الأساسية خلال فترة ولاية جورنشا. وكانت المرة الأولى في أبريل 2025، إثر الاضطراب الذي أحدثه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في التجارة العالمية بفرضه رسوماً جمركية على واردات من معظم دول العالم. وفي وقت سابق، تركت المتحدثة باسم الصندوق، جولي كوزاك، الباب مفتوحاً بشأن ما إذا كان الصندوق سيواصل طرح سيناريوهات النمو الثلاثة، أم سيعود إلى منهجه التقليدي بتقديم توقعات أساسية. وخلال الشهر الماضي، وفي ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار خام القياس العالمي فوق 100 دولار للبرميل، أشارت كوزاك إلى أن الاقتصاد العالمي ينتقل من "التوقعات المرجعية" الأكثر تفاؤلاً، والتي تفترض نهاية سريعة للصراع ونمواً بنسبة 3.1% في عام 2026، إلى "سيناريو أكثر تشاؤماً" يتوقع نمواً بنسبة 2.5%. وصرح جورنشا بأنه في عامي 2025 و2026، لم تتوفر سوابق تاريخية كافية لبناء توقعات أساسية موثوقة. وهذا يتطلب من الاقتصاديين "التحلي بالتواضع" والامتناع عن تقديم توقعات أساسية، واللجوء بدلاً من ذلك إلى استعراض مجموعة من النتائج المتوقعة ضمن سيناريوهات محددة، مشدداً على أن مثل هذه الحالات يجب أن تظل نادرة. وأضاف قائلاً: "لا نرغب في تكرار هذا النهج كثيراً"، لكنه أقر بأن مستويات الضبابية والمخاطر العالمية لا تزال مرتفعة. وأشار إلى أن السحب السريع من الاحتياطيات الاستراتيجية، إلى جانب التعديلات في الإنتاج من قبل شركات التكرير، لعب دوراً حاسماً في تجنب ارتفاعات مفرطة في أسعار النفط، حيث تم سحب 3% فقط من النفط العالمي من السوق، مقارنة بالتوقعات الأولية التي تراوحت بين 10% و15%. ومع ذلك، حذر من أن المخاطر في تزايد مستمر، وأن احتياطيات الدول النفطية ستتضاءل، مما يحد من قدرتها على تخفيف أثر أي انقطاعات مستقبلية للإمدادات، خاصة إذا ما انهار وقف إطلاق النار وعادت الأعمال القتالية. وفي هذا السياق، كان الرئيس الأمريكي السابق ترامب قد حمل إيران يوم الجمعة مسؤولية هجوم استهدف سفينة قبالة سواحل سلطنة عمان، معتبراً ذلك انتهاكاً لوقف إطلاق النار، الأمر الذي يبرز مدى هشاشة الاتفاق الأولي لإنهاء الصراع مع إيران. **تحولات في العلاقات التجارية واتفاقيات دون مشاركة الولايات المتحدة** من جانب آخر، لفت جورنشا إلى أن تدفقات وعلاقات التجارة العالمية تشهد تحولاً ملحوظاً في أعقاب فرض رسوم ترامب الجمركية. وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي قد أبرم اتفاقيات تجارية مع دول أمريكا اللاتينية والهند، وهي اتفاقيات جاءت بعد عقود من المفاوضات. وعلق قائلاً: "فجأة، وخلال أقل من عام واحد، تم توقيع هاتين الاتفاقيتين. هذا ليس محض صدفة، بل يؤكد على تعميق العلاقات التجارية مع دول أخرى"، مشدداً على أن عدداً من هذه الاتفاقيات التجارية الجديدة لا تشمل الولايات المتحدة. وفي السياق ذاته، نوه جورنشا إلى أن فعالية الرسوم الجمركية والعقوبات الاقتصادية الأخرى محدودة بشكل عام، وذلك دون الإشارة بشكل مباشر إلى تزايد اعتماد ترامب على الرسوم الجمركية لحل مجموعة واسعة من الخلافات السياسية. وقال جورنشا: "هناك وجهة نظر مفادها أن وجود هذه الأنواع من نقاط الاختناق أو السيطرة الحاسمة أمر بالغ الأهمية، لكنني أعتقد أن ما نراه هو السرعة التي يحاول بها الاقتصاد العالمي إيجاد طرق للالتفاف عليها." وأوضح قائلاً: "بالفعل، قد تمتلك نفوذاً على المدى القصير، لكن بعد ذلك يأتي رد فعل الأطراف الفاعلة الأخرى. فهم ليسوا سلبيين، بل يعملون على إيجاد سبل للتحايل، أو تسريع ابتكاراتهم، أو تطوير علاقات تجارية جديدة مع شركاء آخرين، وفي نهاية المطاف تفقد هذه الأدوات فعاليتها. على المدى المتوسط إلى الطويل، نادراً ما تحقق هذه الأساليب النتائج المرجوة."