تقنية
صعود الذكاء الاصطناعي يفاقم نقص الذاكرة ويرفع أسعار الأجهزة
بدأ سباق تطوير الذكاء الاصطناعي ينعكس مباشرة على أسعار الأجهزة الإلكترونية. فقد استحوذت مراكز البيانات على حصة متزايدة من شرائح الذاكرة، مما ترك مصنعي الهواتف والحواسيب وأجهزة الألعاب أمام نقص مكونات وارتفاع حاد بتكاليف الإنتاج. تضاعفت أسعار شرائح الذاكرة، وفي مقدمتها ذاكرة الوصول العشوائي الديناميكية "DRAM"، بنحو 5 مرات خلال عام واحد، مع توقعات باستمرار اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار حتى عام 2027. لا يعود هذا النقص لاستخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي لشرائح الهواتف والحواسيب مباشرة، بل لتحول شركات أشباه الموصلات نحو إنتاج أنواع متقدمة وأكثر ربحية، تحتاجها خوادم الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. تتطلب النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي كميات ضخمة من البيانات يجب تخزينها ومعالجتها بسرعة فائقة، مما رفع الطلب على الذاكرة ذات النطاق الترددي العالي "HBM"، وأنواع متطورة من "DRAM" وذاكرة التخزين "NAND". تُنتج الشركات هذه الأنواع المتقدمة بمصانع وخطوط إنتاج تخدم سوق الشرائح التقليدية أيضاً. ومع توجيه مزيد من الطاقة الإنتاجية لمراكز البيانات، تراجع المعروض للهواتف والحواسيب والأجهزة الإلكترونية الأخرى. بذلك، ينافس الذكاء الاصطناعي الشركة المصنعة على الشرائح لا المستهلك على الجهاز. تصف شركة "تك إنسايتس" للأبحاث الوضع بأنه من أشد أزمات نقص الذاكرة بتاريخ القطاع، موضحة أن طلب مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي يتزايد أسرع من قدرة الشركات على إضافة خطوط إنتاج جديدة. تمثل شرائح الذاكرة مكوناً أساسياً بالهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة اللوحية ومنصات الألعاب. وكلما ارتفعت أسعارها، أمام الشركات خياران: زيادة سعر الجهاز، أو تقليل مواصفاته للحفاظ على السعر القديم. دفعت الأزمة بعض شركات الإلكترونيات لرفع أسعار منتجاتها بنسب وصلت إلى 20 بالمئة، فيما ارتفع سعر بعض أجهزة الألعاب بنحو 150 دولاراً. تبدو الشركات المصنعة للأجهزة منخفضة السعر أكثر عرضة للضغوط، لهامش أرباحها المحدود لعدم سماحه بامتصاص الزيادة الكبيرة بتكلفة المكونات. أما الشركات الكبرى، فقد تلجأ للتركيز على الأجهزة الأعلى سعراً وربحية، بدلاً من الطرز الاقتصادية. قد يلاحظ المستهلكون تأثير الأزمة في صورة أجهزة أغلى، أو طرز جديدة بذاكرة أقل من المتوقع، أو استمرار بيع الأجهزة القديمة فترة أطول من المعتاد. لا يمكن إنهاء الأزمة بتشغيل خطوط إضافية خلال أشهر، إذ يستغرق إنشاء مصانع أشباه الموصلات وتجهيزها ورفع كفاءة الإنتاج سنوات، ويتطلب استثمارات بمليارات الدولارات. تعمل شركات تصنيع الذاكرة على زيادة قدرتها الإنتاجية، لكن جزءاً كبيراً من الاستثمارات الجديدة يظل موجهاً للشرائح المتقدمة الخاصة بالذكاء الاصطناعي، لتحقيقها عوائد أعلى مقارنة بالذاكرة التقليدية. وتشير تقديرات مؤسسة "آي دي سي" إلى أن نمو إمدادات "DRAM" و"NAND" خلال 2026 سيظل أقل من المستويات التاريخية، مع احتمال استمرار تداعيات النقص حتى عام 2027. لا يعني ذلك أن أسعار كل الهواتف والحواسيب سترتفع بالنسبة نفسها، إذ يتوقف التأثير على حجم الذاكرة في كل جهاز، والعقود الموقعة بين الشركات والموردين، وقدرة المصنعين على تحمل جزء من التكلفة. لكن الاتجاه العام يبدو واضحاً: الطفرة التي جعلت الذكاء الاصطناعي أقوى قد تجعل الأجهزة اليومية للمستهلكين أغلى.