تقنية

الذكاء الاصطناعي: التقاط أصوات الحيوان لا ترجمتها

ف
فريق صوت المسلة
24 أيلول 2026 3 دقائق قراءة
الذكاء الاصطناعي: التقاط أصوات الحيوان لا ترجمتها

بات الذكاء الاصطناعي يمتلك القدرة على تحليل الأنماط الدقيقة داخل أصوات الحيوانات مثل الدلافين والفيلة والحيتان، لكنه لم يصل بعد إلى مرحلة المترجم القادر على كشف أفكارها أو تحويل حديثها إلى لغة البشر. تكمن الإشكالية في فجوة معرفية عميقة بين مجرد التعرف على الصوت وفهم معناه الفعلي. قد يكتشف النموذج أن نداءً معيناً يتكرر عند اقتراب حيوان أو ظهور خطر، لكن هذا لا يكفي لإثبات أن النداء يعني "اقترب" أو "خطر" بالمعنى الإنساني المفهوم. يثير هذا الفارق تساؤلاً جوهرياً يتجاوز القدرة التقنية: هل يقترب الذكاء الاصطناعي حقاً من فهم الحيوانات، أم أنه يقدم أنماطاً تبدو مقنعة وقد نخطئ نحن في تفسيرها؟ من أبرز المبادرات في هذا المجال مشروع "دولفين جيما"، الذي طورته جوجل بالتعاون مع مشروع الدلافين البرية ومعهد جورجيا للتكنولوجيا. تدرب النموذج على مجموعة ضخمة من تسجيلات الدلافين، وبات بوسعه تحليل الأصوات واكتشاف التسلسلات المتكررة، فضلاً عن التنبؤ بالصوت المحتمل تالياً، وتوليد أصوات مشابهة لنداءاتها. لكن هذه الإمكانيات لا تعني إدراك المعنى الكامن وراء هذه الأصوات. فقدرة التنبؤ بالصوت التالي تشابه قدرة النماذج اللغوية على توقع الكلمة التالية في جملة ما، دون أن يشكل ذلك وحده دليلاً على فهم تجربة الحيوان أو ما يرغب في التعبير عنه. وتأمل الفرق العلمية أن تسهم هذه الأدوات في ربط الأصوات بالسلوك والسياق، كخطوة أولى نحو بناء مفردات مشتركة ومحدودة بين البشر والدلافين. ومع ذلك، لا يدعي المشروع امتلاكه لمترجم فوري للغة الدلافين. في سياق آخر، أظهرت دراسة منشورة في دورية "نيتشر إيكولوجي أند إيفولوشن" أن فيلة السافانا الإفريقية ربما تستخدم نداءات فردية أشبه بالأسماء عند مخاطبة أفراد بعينهم. استخدم الباحثون تقنيات التعلم الآلي لتحليل النداءات، وأجروا تجارب شملت تشغيل تسجيلات للفيلة. كشفت النتائج أن الفيل كان يستجيب بقوة أكبر للنداء الموجه إليه مقارنة بالنداءات الموجهة إلى أفراد آخرين. تقدم هذه النتائج دليلاً ملفتاً على وجود معلومات تحدد هوية المتلقي داخل بعض النداءات، إلا أنها لا تعني تمكن العلماء من ترجمة الحديث الكامل بين الفيلة أو تحديد كافة الرسائل الضمنية. وفي مشروع "سيتي"، قام باحثون بتحليل آلاف النقرات القصيرة التي تستخدمها حيتان العنبر في التواصل. كشفت الدراسة، المنشورة في دورية "نيتشر كوميونيكيشنز"، عن تغيرات منظمة في إيقاع وسرعة وعدد النقرات والإضافات الصوتية. ووجدت أن هذه العناصر يمكن أن تتحد بطرق متنوعة، مما يشير إلى بنية أكثر تعقيداً لنداءات الحيتان مما كان معروفاً في السابق. لكن الباحثين أنفسهم أكدوا أنهم لا يدركون حتى الآن ماذا تقول الحيتان. فاكتشاف بنية تشبه الأبجدية لا يعني تلقائياً معرفة الكلمات أو المعاني التي تنقلها. يواجه الذكاء الاصطناعي خطر "الترجمة الوهمية"، حيث يمكنه إيجاد ارتباط بين صوت وسلوك معين، لكن هذا الارتباط قد لا يمثل المعنى الحقيقي للنداء. وقد يتأثر الصوت بهوية الحيوان، عمره، حالته الانفعالية، أو بيئته المحيطة، بدلاً من كونه رسالة واحدة قابلة للترجمة المباشرة. علاوة على ذلك، لا يعتمد التواصل الحيواني على الصوت وحده، بل قد يشمل الحركة، اللمس، الروائح، وضعية الجسم، والإشارات البصرية. لهذا، فإن تحليل التسجيلات الصوتية بمعزل عن هذه العناصر قد يسفر عن تفسيرات ناقصة أو مضللة. لا تعني هذه القيود فشلاً للذكاء الاصطناعي، بل على العكس، فقد منح العلماء قدرة غير مسبوقة على فرز التسجيلات واكتشاف أنماط كانت عصية على الملاحظة البشرية. فالآلة باتت تسمع تفاصيل لم نكن لنسمعها، لكنها لا تزال بعيدة عن إثبات فهمها لهذه التفاصيل. وحتى يتحقق ذلك، يظل "مترجم الحيوانات" وعداً علمياً واعداً ومثيراً، لا حقيقة ملموسة بين أيدينا.

ف

فريق صوت المسلة